محمد بن جرير الطبري
165
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ قال : ما رؤي ذكر على ذكر حتى كان قوم لوط . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ يخبر بذلك تعالى ذكره عن لوط أنه قال لقومه ، توبيخا منه لهم على فعلهم : إِنَّكُمْ أيها القوم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ في أدبارهم ، شَهْوَةً منكم لذلك ، مِنْ دُونِ الذي أباحه الله لكم وأحله من النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ يقول : إنكم لقوم تأتون ما حرم الله عليكم وتعصونه بفعلكم هذا ، وذلك هو الإسراف في هذا الموضع . والشهوة : الفعلة ، وهي مصدر من قول القائل : شهيت هذا الشيء أشهاه شهوة ؛ ومن ذلك قول الشاعر : وأشعث يشهى النوم قلت له ارتحل * إذا ما النجوم أعرضت واسبطرت فقام يجر البرد لو أن نفسه * يقال له خذها بكفيك جرت القول في تأويل قوله تعالى : وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يقول تعالى ذكره : وما كان جواب قوم لوط للوط إذ وبخهم على فعلهم القبيح وركوبهم ما حرم الله عليهم من العمل الخبيث إلا أن قال بعضهم لبعض : أخرجوا لوطا وأهله ولذلك قيل : أخرجوهم ، فجمع وقد جرى قبل ذكر لوط وحده دون غيره . وقد يحتمل أن يكون إنما جمع بمعنى : أخرجوا لوطا ومن كان على دينه من قريتكم ، فاكتفى بذكر لوط في أول الكلام عن ذكر أتباعه ، ثم جمع في آخر الكلام ، كما قيل : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يقول : إن لوطا ومن تبعه أناس يتنزهون عما نفعله نحن من إتيان الرجال في الأدبار . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا هانئ بن سعيد النخعي ، عن الحجاج ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد : إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ قال : من أدبار الرجال وأدبار النساء . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن مجاهد : إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من أدبار الرجال وأدبار النساء . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا حماد ، عن الحجاج ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ قال : يتطهرون من أدبار الرجال والنساء . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الحسن بن عمارة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، في قوله : إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ قال : من أدبار الرجال ومن أدبار النساء . حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ قال : يتحرجون . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يقول : عابوهم بغير عيب ، وذموهم بغير ذم . القول في تأويل قوله تعالى : فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ يقول تعالى ذكره : فلما أبى قوم لوط مع توبيخ لوط إياهم على ما يأتون من الفاحشة ، وإبلاغه إياهم رسالة ربه بتحريم ذلك عليهم ، إلا التمادي في غيهم ، أنجينا لوطا وأهله المؤمنين به إلا امرأته فإنها كانت للوط خائنة وبالله كافرة . وقوله : مِنَ الْغابِرِينَ يقول : من الباقين . وقيل " من الغابرين " ولم يقل " الغابرات " ، لأنه يريد أنها ممن بقي مع الرجال ، فلما ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قيل من الغابرين ، والفعل منه : غبر يغبر غبورا وغبرا ، وذلك إذا بقي ؛ كما قال الأعشى : عض بما أبقى المواسي له * من أمه في الزمن الغابر وكما قال الآخر : وأبي الذي فتح البلاد بسيفه * فأذلها لبني أبان الغابر يعني : الباقي . فإن قال قائل : فكانت امرأة لوط ممن نجا من الهلاك الذي هلك به قوم لوط ؟ قيل : لا ، بل